طفولة جرح ...
من وحي الدم ... و الدمع... و النار ...
عيناها التي لطالما رنت إلى السماء ... كلما سمعت هدير طائرة ... علّها تلمح أباها يلّوح لها من طائرته ... أعذروها ...فالاطفال لا يؤمنون بالمسافات ... ولا يشعرون بها ... وحدنا نحن الكبار ... من نبحث عن هذي المسافات ... ونخترعها إن لم نجدها ... هاتان العينان السوداوان ... بحثتا اليوم طويلاً في الجموع الغفيرة ... أين أبي ؟!... تأخر !... زغاريدٌ و أرزٌ و زهور ...هو عرسٌ إذاً ... الجميع حضر ... أمعقولٌ أن لا يحضر ؟!... تلتقي عيناها بعيني أمها ...التي ترنو من وقتٍ لآخرَ إلى السماء ... وتجهد لتحبس جمرَ دمعٍ يتوهج ألماً و غضب ...وصيته كانت أن لا تبكي يوم رحيله... وهي لن تخذله ... علام تنظر أمي إلى السماء؟! ... تبحث الصغيرة في السماء...عن طائرة أبيها... فلا تجد سوى بضعة غيومٍ بيضاء ... في سماءٍ جامحة الزرقة ... والدك ما عاد يحتاج لطائرةٍ بعد اليوم ... ليختال كعادته ... بين غيومٍ ألفت ضحكته ... النسر يرفرف بجناحيه الان ... يرفرف فوق سوريا التي لطالما عشق سمائها ... تلك السماء التي جابها طولاً و عرضاً ... و طرّز في قبّتها أجمل قصائد غزلٍ... كتبتها ... دماء من سبقوه ... أتعرفون؟ سوريا أجمل بكثير من طائرتي ... كان يقول مفتخراً ... طائرته التي تجثم الآن وحيدة ... تستذكر حس دعابته ... و ضحكته التي لم تفارق ثغره ... حتى آخر لحظةٍ من عمره ... الذي أراده البعض قصيرا...وستمتد وحشتها طويلاً ... حتى ينهض نسرٌ سوريٌ جديد ...بمثل براعته و علمه و موهبته... ... ... أصبحت الطفلة محتارةً من أمر هذا الحشد ... أهو وداعٌ إذاً؟! ... فلماذا لا يبكون ؟!... غريبٌ أمرهم هؤلاء الكبار!! ... ... ...الموت لا يبكينا يا صغيرتي ... بيننا وبينه عهدٌ و ميثاق ...وما ربينا أن نخلف بالعهد يوماً ... ولا الميثاق ... ستكبرين يوماً يا صغيرة ... و ستحفظين العهد الذي ذاد عنه والدك ... ستكبرين يوماً ... لتجدي الشجرة التي روّاها والدك بدمه الذكي ...قد أورقت مجداً ... وقد أزهرت حباً ... وجذعها الضارب في صدر الزمان ...قد زاد عتيّه ... وامتد وطال ... وصار للأجيال وصيّة ... صبراً يا رانيا ...صبراً يا أختي أم حسين ...صبراً على الجرح ...فإن للجراح ...قضيّة ...
-أخوك عصام
-
- Issam Ali's blog
- Login to post comments
- 1373 reads
{ Arabic Programmer; }
Comments
الوضع مؤلم
الوضع مؤلم جدا
ليس لنا سوى أن ندعو الله بأن يظهر الحق وينصره.
Re:الوضع مؤلم
لطالما كان هذا (الحق) مجرد وجهة نظر على هذا الكوكب، و عبر العصور لطالما شنت الحروب وسقطت ملايين الابرياء من أجل ما يراه البعض (حقاً) ولا يراه الآخرين كذلك ... وكلٌ كان ينادي سماءه أن أظهري لي (حقي) وانصريه ... ولطالما وقفت السماء متفرجةً على حروب البشر الارضية التي بمعظمها كانت تقوم من أجل السماء و باسم السماء... احترم من مازال يؤمن بأن السماء ستستخدم معجزاتها يوماً لتفرض حلولاً (سماوية) بين المتخاصمين على هذا الكوكب، وأن السماء ستحشر أنفها في خلافات البشر وفي زواريب السياسة العفنة لتريح نفس هذه البشرية المتعبة وتفرض سلام السماء على الأرض ...ربما ... لكلٍ رأيه و معتقده ... لكني شخصياً أعتقد أن السماء قد توقفت منذ زمن بعيد عن صناعة مثل هذه المعجزات ...أعتقد ان ما نحتاجه فعلاً هو المحبة ... وحدها المحبة لازالت تصنع المعجزات ... لكن السؤال ... هل نحن كجنس عربي قادرين على المحبة؟ ...شخصياً أعتقد أنّا عاجزين ... بل ومعاقين ... وبماهية المحبة جاهلين ... البعض يفسر هذي المحبة أن تحب أمك أو أبوك أو زوجك أو أولادك ... ليعذرني هؤلاء (الحبيبة) فالحيوانات لديها هذه (الغريزة) ... لا بل ولديها أكثر من هذا ...(كالمحبة والإلفة) بين أفراد القطيع الواحد ... إن كانت هذه حال الحيوانات ... أليس من المفترض من هذا المخلوق الذي كرمتّه السماء أن يتجاوز بمحبته حدود الغريزة الحيوانية للمحبة ... من وجهة نظري بلى ... من وجهة نظري إن المحبة عند الانسان هي أن تحب من هو مختلفٌ عنك ... أن تحبّ اختلافه عنك ... بل أن تحبه لأنه مختلفٌ عنك ... أو على الأقل أن تحترم اختلافه إن عجزت عن محبته ... أعتقد أن هذا هو التحدي و الاختبار الأكبر للأنسان هذا المخلوق المكرّم ليثبت استحقاقه لهذا التكريم ... وهذه المحبة هي من تستطيع صناعة المعجزات ... اما الكراهية التي يصر عليها ويمجّدها البعض ويتخذها طريقاً وأسلوب حياة ... فلطالما أحرقت بلاداً و شعوب ولم تأتي بشيءٍ لهذا العالم سوى بدوامات الألم ... منذ قرون وأجدادنا -مع كل أسف- يبذرون الكراهية التي نحصد غرسها في كل يوم ... فهلّا حاولنا نحن هذا الجيل ولو لمرة واحدة أن نخرق هذه القاعدة العربية و أن نبذر بذور المحبة في هذه الأيام الصعبة ... بدل بذور الكراهية والتعصب و الخوف والريبة و الشك ضد هذا الآخر المختلف ... نعرف جيداً أننا قد لا نعيش لنرى زرعها ... لكن أحفادنا الذين سيحصدون هذا الزرع سيكونوا ممتنين لأجدادهم بعكس حالتنا نحن الآن ...
اسمح لي أن اضم ألمي إلى ألمك ... فعلنا نتحد يوماً و لو بالألم ... مادمنا نحن العرب مخلوقات عاجزة عن المحبة حتى إشعار آخر ...
آمين...
تقبل تحياتي و محبتي و احترامي لمرورك ولشخصك الكريم ...
هذه طبيعة الجنس البشري